Friday, 19 September 2008

من مذكرات شيخنا القرضاوي الجزء الرابع


وفاة الشيخ مصباح محمد عبده
أبدأ هذا الجزء (الرابع) من ملامح السيرة والمسيرة بأمر كان ينبغي أن يكون في الجزء السابق (الثالث)، ولكن الذاكرة التي أصابتها الشيخوخة خانتني، فحسبت الحادث متأخرا عن وقته. ولا غرو أن ينسى المرء بعض الأحداث، أو ينسى ميقاتها، فقد نسي آدم أبو البشر، كما ذكر القرآن، ومن شابه أباه فما ظلم، وقال في ذلك الشاعر:
فإن أولَ ناسٍ أولُ الناس!

وقال فتى موسى: {إِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف:63].
هذا الحدث هو: وفاة أخي وصديقي الشيخ مصباح محمد عبده رحمه الله رحمة واسعة. فقد عرفت بالسؤال وبالرجوع إلى التواريخ: أنه توفى في سنة 1976م.
وهذا هو الصديق الثاني الذي أفقده من أصدقائي المقربين، أصدقاء الشباب، بعد أن فقدت صديقي الأول محمد الدرداشي مراد رحمه الله.
وأنا رجل عاطفي، أحزن وأفرح، وأضحك وأبكي، وإن كانت عاطفة الحزن عندي أقوى، ومنها الحزن على الأصدقاء.
أجل، لقد ودعنا الأخ الحبيب والصديق الصدوق، الشيخ مصباح محمد عبده، المدرس بالمعهد الديني الثانوي في قطر، والذي وافته المنية فجأة في أوائل العام الدراسي في 26/9/1976م، بعد أزمة قلبية، لم يسعفه فيها الدواء المعتاد الذي كان يتناوله عندما تصيبه هذه الأزمة، يبدو أن الدواء قد فرغ من عنده، ولم يسارع بإحضار البديل، لينفذ قضاء الله في وقته المقدر له، كما قال تعالى: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح:4] {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون:11].
وقد اتصل بي أهله، وقد بلغ الكتاب أجله، فذهبت إلى منزله، لأجد (المصباح) قد انطفأ، وقد فات أوان الإسعاف والإنقاذ، ولم يبق إلا التسليم لقدر الله الذي لا يرد، وإلا أن نقول: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} [البقرة:156].
كان مصباح كأنما يتهيأ للخروج، فقد كنا في إجازة العيد، ولذا وجدته بكامل لباسه، وكل شيء فيه كأنه لا يزال حيا. لولا هذا الكائن الداخلي الذي يجحده الماديون، ويؤمن به كل ذي دين، وهو ما نسميه (الروح). الذي به يكتسي هذا الغلاف الطيني (الحياة).
وبدون هذه الروح – أو ما يسميه عامة الناس: السر الإلهي – يتحول الإنسان صاحب العلم والبيان، إلى جثة هامدة، بمجرد أن يختطف الموت هذا الكائن الداخلي، ولا يستطيع أحد له مقاومة. وهكذا دخلنا الحياة بغير إرادتنا، وخرجنا منها بغير إرادتنا. {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون:80].
وأصرت زوجته على أن يدفن في بلده محلة أبو علي، وأن ينقل جثمانه – كما هي العادة – على الطائرة إلى القاهرة، ثم تحمله سيارة إسعاف إلى حيث يقبر، وكنا نود لو ووري جثمانه في ثرى قطر، وهي أرض إسلامية، بدل السفر وما فيه من مشقة. ولكن أمام إصرار الزوجة، لم يكن بد من تسفيره على حساب حكومة قطر، وأن يسافر أحد الإخوة في رفقة أهله.
كان مصباح من أصدقائي القدامى، ومن رفقاء الدرب في الدراسة والسكن والدعوة والمحنة.
لقد تعارفنا حين كنا طلبة في المرحلة الثانوية في طنطا، وزرته في قريته، وزارني في قريتي، ولكني كنت الأكثر ترددا على قريته (محلة أبو علي: القنطرة) وهي تعتبر الجار ذا القربى للمحلة الكبرى. والآن تلاصقتا، وأصبحت كأنها جزء من المحلة الكبرى.
وكان مصباح قد توفى أبوه وهو صغير، وتربى يتيما مثلي، وتولت تربيته أمه، وكانت امرأة عاقلة ذات عزيمة قوية، ما زالت وراءه حتى دخل الأزهر وتخرج فيه.
وكان لي كثرة من الأصدقاء في محلة أبو علي، منهم من لحق بربه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. منهم: السيد النفاض، ورمزي الدمنهوري، والسيد الغضبان، وعبد القادر عامر، حفظهم الله، ومنهم: حمدي شبند، وعلي خفاجة، وعبد المجيد بقلولة رحمهم الله. وكنت كثيرا ما أبيت في محلة أبو علي – أيام العزوبة – مع أحد الأصدقاء.
وفي كلية أصول الدين سكن معي مصباح في (شقة شارع رائب باشا) الشهيرة، في شبرا، ولكنه نجا من الاعتقال في حين معظم سكانها اعتقلوا.
وعمل الشيخ مصباح مفتشا للمساجد في وزارة الأوقاف مع الشيخ الغزالي، إلى أن جاء إلى قطر.
وقد تحدثت عن مصباح من قبل في هذه المذكرات بمناسبات شتى، وخصوصا في الجزء الأول. وقد اعتقل معنا في محنة 1949م، ودخل معي معتقل هايكستب ورحلنا معا إلى الطور، وأصابه ما أصابه من مرض الروماتيزم. وذكرت من فكاهاته وطرائفه، ما أضحكنا وأدخل علينا البهجة في أتون الاعتقال.
كان مصباح رجلا طيب القلب، نقي السريرة، ظاهره كباطنه، محببا إلى الناس، لم أر أحدا يكرهه أو يعاديه. فقد كان سهل التعامل، هينا لينا متواضعا خافض الجناح لإخوانه، يألف ويؤلف، بسيطا في مظهره وفي مخبره وفي حياته كلها، كما كان فكها خفيف الروح، له لطائف وفكاهات تصدر عنه بلا تكلف ولا تصنع.
كنا ونحن بالكلية إذا سئل: كم كان ترتيبك يا شيخ مصباح؟ فيقول: الشيخ يوسف هو الأول من ناحية، وأنا الأول من الناحية الأخرى! فنحن نحيط الكلية من جانبيها!
وكان يعمد إلى الألفاظ الغريبة والشائكة، إذا كانت صحيحة، مثل لفظة الدلالة، ينطقها بضم الدال (الدُّلالة) فإذا اعترض عليه معترض وسأله، قال: الدال يجوز فيها الفتح والكسر والضم، ثم يقول: أنا آتي بالغريب، ليستشكل عليّ فأجيب!
وله شعر مما يسميه بعضهم: الشعر الحلبنتيشي! لا أذكر منه الآن شيئا أرويه.
رحم الله مصباحا وغفر له وتقبله في عباده الصالحين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وجمعنا به في الفردوس الأعلى. آمين.

Thursday, 11 September 2008

Ramadan: Busy and Quick...so life

Ramadan schedule here in the UK is no much different from the other parts of the world, but in one aspect that you are out during the day and can simply see people eating and drinking, having their normal life, and you simply look different, of course not in appearance but simply inside,
I was out with the family and my wife just happened to suggest me to take here to Primark as she wants to buy some stuff for the kids. Well, let me think about it,,,,it is almost 4 PM now and Maghrib is in 3 and half hrs, so do you think it is a good idea, i said,
"O yea" she cheered and being the FATHER I had to go with the crowd. Well, I cannot deny I enjoy shopping sometimes but that one was such a boring experience and I was feeling very dizzy.....i ended up asking her to pick up whatever she wants and give us a quick move,,,,
Back home, I mean in Egypt, it was never like this as shopping was Ramadan oriented ,,,,it is a difference,,, living in Ramadan and living Ramadan

Tuesday, 27 May 2008

JOIN IMAM SAAD'S NEW LIVE DIALOGUE

Dear Brothers and Sisters
InshaAllah I will be the guest of a Live Dialogue entitled: "Ask About Women in Islam" with Islam Online.Net and Reading Islam Website. The focus of this session will be "What Does Islam Really Say About Women and What Are the Misconceptions normally Raised in this Subject" Please promote and join. if you have any questions, they will be answered on the spot inshaAllah.Here are the details:
Date: Wednesday June 4, 2008
Time: 1:00 PM- 3:00 PM London Time (disregard any other time announced on the website you can submit your questions at these times)- this time corresponds to 3:00-5:00 Cairo Time for those in Cairo to know - It corresponds to 12:00 AM- 2:00 PM GMT. URL to visit and submit questions: http://www.readingislam.com/livedialogue/select.asp
The AD Is NOW on, please promote amongst your friends
Yours in Islam
Imam Ahmed Saad

Sunday, 18 May 2008

اخترت لكم: 3 هذا العالم أحبه: فضيلة الإمام العارف بالله شيخ الإسلام الدكتور عبد الحليم محمود




ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ= 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.
بعد أن أكمل الصبي حفظ القرآن الكريم التحق بالأزهر، وحصل على الشهادة العالمية سنة (1351هـ=1932م) ثم سافر على نفقته الخاصة لاستكمال تعليمه العالي في باريس، ونجح في الحصول على درجة الدكتوراة في التصوف الإسلامي، عن الحارث المحاسبي في سنة (1359هـ= 1940م).
وبعد عودته إلى مصر عمل مدرسا لعلم النفس بكلية اللغة العربية، وتدرج في مناصبها العلمية حتى عين عميدا للكلية سنة (1384هـ= 1964م) ثم اختير عضوا في مجمع البحوث الإسلامية، ثم أمينا عاما له، ثم اختير وكيلا للأزهر سنة (1390هـ= 1970م) ثم وزيرا للأوقاف وشئون الأزهر.
وللشيخ أكثر من 60 مؤلفا في التصوف والفلسفة، بعضها بالفرنسية، ومن أشهر كتبه: أوربا والإسلام، والتوحيد الخالص أو الإسلام والعقل، وأسرار العبادات في الإسلام، والتفكير الفلسفي في الإسلام، والقرآن والنبي، والمدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي.
إرهاصات الإصلاح
بدت بوادر الإصلاح واضحة في سلوك الشيخ عبد الحليم محمود بعد توليه أمانة مجمع البحوث الإسلامية الذي حل محل جماعة كبار العلماء، فبدأ بتكوين الجهاز الفني والإداري للمجمع من خيار رجال الأزهر، وتجهيزه بمكتبة علمية ضخمة استغل في تكوينها صداقاته وصلاته بكبار المؤلفين والباحثين وأصحاب المروءات.
وعمل الشيخ على توفير الكفايات العلمية التي تتلاءم ورسالة المجمع العالمية، وفي عهده تم عقد مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية، وتوالى انعقاده بانتظام، كما أقنع المسئولين بتخصيص قطعة أرض فسيحة بمدينة نصر لتضم المجمع وأجهزته العلمية والإدارية، ثم عني بمكتبة الأزهر الكبرى، ونجح في تخصيص قطعة أرض مجاورة للأزهر لتقام عليها.
وأثناء توليه لوزارة الأوقاف عني بالمساجد عناية كبيرة، فأنشأ عددا منها، وضم عددا كبيرا من المساجد الأهلية، وجدد المساجد التاريخية الكبرى مثل جامع عمرو بن العاص أقدم المساجد في إفريقيا، وأوكل الخطبة فيه إلى الشيخ محمد الغزالي فدبت فيه الروح، وعادت إليه الحياة بعد أن اغتالته يد الإهمال، وتدفقت إليه الجماهير من كل صوب وحدب، وأنشأ بمساجد الوزارة فصولا للتقوية ينتفع بها طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية جذبت آلافا من الطلاب إلى المساجد وربطتهم بشعائر دينهم الحنيف.
ورأى أن للوزارة أوقافا ضخمة تدر ملايين الجنيهات أخذها الإصلاح الزراعي لإدارتها لحساب الوزارة، فلم تعد تدر إلا القليل، فاستردها من وزارة الإصلاح الزراعي، وأنشأ هيئة كبرى لإدارة هذه الأوقاف لتدر خيراتها من جديد، وعلم أن هناك أوقافا عدت عليها يد الغصب أو النسيان، فعمل على استرداد المغتصب، وإصلاح الخرب.
استعادة هيبة الأزهر وشيخه
صدر قرار تعيين الشيخ عبد الحليم محمود شيخا للأزهر في (22 من صفر 1393هـ= 27 من مارس 1973م)، وكان هذا هو المكان الطبيعي الذي أعدته المقادير له، وما كاد الشيخ يمارس أعباء منصبه وينهض بدوره على خير وجه حتى بوغت بصدور قرار جديدمن رئيس الجمهورية في (17 من جمادى الآخرة 1394هـ= 7 من يوليو 1974م) يكاد يجرد شيخ الأزهر مما تبقى له من اختصاصات ويمنحها لوزير الأوقاف والأزهر، وما كان من الشيخ إلا أن قدم استقالته لرئيس الجمهورية على الفور، معتبرا أن هذا القرار يغض من قدر المنصب الجليل ويعوقه عن أداء رسالته الروحية في مصر والعالم العربي والإسلامي.
روجع الإمام في أمر استقالته، وتدخل الحكماء لإثنائه عن قراره، لكن الشيخ أصر على استقالته، وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه، ورفض تناول راتبه، وطلب تسوية معاشه، وأحدثت هذه الاستقالة دويا هائلا في مصر وسائر أنحاء العالم الإسلامي، وتقدم أحد المحامين الغيورين برفع دعوى حسبة أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف، طالبا وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية.
وإزاء هذا الموقف الملتهب اضطر أنور السادات إلى معاودة النظر في قراره ودراسة المشكلة من جديد، وأصدر قرارا أعاد فيه الأمر إلى نصابه، جاء فيه: شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر.
وتضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشرة، وانتهت الأزمة وعاد الشيخ إلى منصبه ليواصل جهاده. وجدير بالذكر أن قرارا جمهوريا صدر بعد وفاة الشيخ بمساواة منصب شيخ الأزهر بمنصب رئيس الوزراء.
مسئولية شيخ الأزهر
كان الشيخ عبد الحليم يدرك خطورة منصبه، وأنه مسئول عن القضايا التي تتعلق بالمسلمين، وأنه لا ينتظر من أحد توجيها إلى النظر في بعض القضايا وغض النظر عن بعضها، فكان للأزهر في عهده رأي ومقال في كل قضية وموضوع يتعلق بأمر المسلمين، فتصدى لقانون الأحوال الشخصية الذي حاولت الدكتورة عائشة راتب إصداره دون الرجوع إلى الأزهر، وحرصت على إقراره من مجلس الشعب على وجه السرعة، وكان هذا القانون قد تضمن قيودا على حقوق الزوج على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية.
ولما علم الإمام الأكبر بهذا القانون أصدر بيانا قويا حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام، وأرسله إلى جميع المسئولين وأعضاء مجلس الشعب وإلى الصحف، ولم ينتظر صدور القانون بل وقف في وجهه قبل أن يرى النور، لكن بيان الشيخ تآمرت عليه قوى الظلام فصدرت التعليمات إلى الصحف بالامتناع عن نشره، واجتمعت الحكومة للنظر في بيان الشيخ عبد الحليم محمود، ولم تجد مفرا من الإعلان عن أنه ليس هناك تفكير على الإطلاق في تعديل قانون الأحوال الشخصية، وبذلك نجح الإمام في قتل القانون في مهده.
الكتب الدينية المشتركة
اقترح البابا شنودة بطريرك الأقباط في مصر تأليف كتب دينية مشتركة ليدرسها الطلبة المسلمون والمسيحيون جميعا في المدارس، مبررا ذلك بتعميق الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة، وتقوية الروابط بينهما.
لقي هذا الاقتراح قبولا بين كبار المسئولين، وزار الدكتور مصطفى حلمي وزير التربية والتعليم آنذاك الإمام الأكبر ليستطلع رأيه في هذا الاقتراح، لكن الشيخ الغيور واجه الوزير بغضبة شديدة قائلا له: من آذنك بهذا، ومن الذي طلبه منك، إن مثل هذه الفكرة إذا طلبت فإنما توجه إلينا من كبار المسئولين مباشرة، ويوم يطلب منا مثل هذه الكتب فلن يكون ردي عليها سوى الاستقالة.
وما كان من الوزير إلا أن استرضى الشيخ الغاضب وقدم اعتذارا له قائلا له: إنني ما جئت إلا لأستطلع رأي فضيلتكم وأعرف حكم الدين، ويوم أن تقدم استقالتك لهذا السبب فسأقدم استقالتي بعدك مباشرة.
المحاكم العسكرية غير مؤهلة
ومن مواقف الشيخ الشجاعة ما أبداه تجاه المحكمة العسكرية التي تصدت للحكم في قضية جماعة التكفير والهجرة المصرية، وكانت المحكمة قد استعانت بعدد من علماء الأزهر لإبداء الرأي في فكر هذه الجماعة، غير أن المحكمة لم تسترح لرأيهم، وكررت ذلك أكثر من مرة، وكانت في عجلة من أمرها؛ الأمر الذي جعلها تصدر أحكاما دون استئناس برأي الأزهر.
ولم تكتف هذه المحكمة بذلك بل تضمن حكمها هجوما على الأزهر وعلمائه، وقالت: إنه كان على المسئولين عن الدعوة الدينية أن يتعهدوا الأفكار بالبحث والتدبر بدلا من إهمالها وعدم الاعتناء بمجرد بحثها.
ولمزت المحكمة علماء الأزهر بقولها: "وواأسفا على إسلام ينزوي فيه رجال الدين في كل ركن هاربين متهربين من أداء رسالتهم أو الإفصاح عن رأيهم أو إبداء حكم الدين فيما يعرض عليهم من أمور، فلا هم أدوا رسالتهم وأعلنوا كلمة الحق، ولا هم تركوا أماكنهم لمن يقدر على أداء الرسالة".
وكانت كلمات المحكمة قاسية وغير مسئولة وتفتقد إلى الموضوعية والأمانة، وهو ما أغضب الإمام الأكبر لهذا الهجوم العنيف، فأصدر بيانا امتنعت معظم الصحف اليومية عن نشره، ولم تنشره سوى صحيفة الأحرار.
وفي هذا البيان اتهم عبد الحليم محمود المحكمة بالتعجل وعدم التثبت، وأنها لم تكن مؤهلة للحكم على هذا الفكر، وأنها تجهل الموضوع الذي تصدرت لمعالجته، وكان يجب عليها أن تضم قضاة شرعيين يقفون موقفها ويشاركونها المسئولية ويتمكنون من الاطلاع على جميع ظروف القضية ونواحيها فيتمكنون من إصدار الحكم الصحيح.
واتهم الإمام المحكمة بأنها لم تمكن علماء الأزهر من الاطلاع على آراء هذا التنظيم أو الاستماع إلى شرح من أصحابه، والاطلاع على كافة الظروف التي أدت بهم إلى هذا الفكر، واكتفت بأن عرضت عليهم المحضر الذي سجلته النيابة من أقوال ومناقشات، وهذا لا يرقى أن يكون مصدرا كافيا يقوم عليه بحث العلماء، أو أساسا متكاملا تصدر عليه أحكام.
التوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية
تولى الشيخ عبد الحليم محمود مشيخة الأزهر في وقت اشتدت فيه الحاجة لإقامة قاعدة عريضة من المعاهد الدينية التي تقلص عددها وعجزت عن إمداد جامعة الأزهر بكلياتها العشرين بأعداد كافية من الطلاب، وهو الأمر الذي جعل جامعة الأزهر تستقبل أعدادا كبيرة من حملة الثانوية العامة بالمدارس، وهم لا يتزودون بثقافة دينية وعربية تؤهلهم أن يكونوا حماة الإسلام.
وأدرك الشيخ خطورة هذا الموقف فجاب القرى والمدن يدعو الناس للتبرع لإنشاء المعاهد الدينية، فلبى الناس دعوته وأقبلوا عليه متبرعين، ولم تكن ميزانية الأزهر تسمح بتحقيق آمال الشيخ في التوسع في التعليم الأزهري، فكفاه الناس مئونة ذلك، وكان لصلاته العميقة بالحكام وذوي النفوذ والتأثير وثقة الناس فيه أثر في تحقيق ما يصبو إليه، فزادت المعاهد في عهده على نحو لم يعرفه الأزهر من قبل.
تطبيق الشريعة الإسلامية
ومن أهم دعوات الشيخ دعوته إلى تطبيق الشريعة الإسلامية من ميادين الجهاد التي خاضها في صبر وجلد داعيا وخطيبا ومحاضرا ومخاطبا المسئولين في البلاد، فكتب إلى كل من سيد مرعي رئيس مجلس الشعب، وممدوح سالم رئيس مجلس الوزراء يطالبهما بالإسراع في تطبيق الشريعة الإسلامية، ويقول لهمها: "لقد آن الأوان لإرواء الأشواق الظامئة في القلوب إلى وضع شريعة الله بيننا في موضعها الصحيح ليبدلنا الله بعسرنا يسرا وبخوفنا أمنا...".
ولم يكتف الإمام الأكبر بإلقاء الخطب والمحاضرات وإذاعة الأحاديث، بل سلك سبيل الجهاد العلمي، فكون لجنة بمجمع البحوث الإسلامية لتقنين الشريعة الإسلامية في صيغة مواد قانونية تسهل استخراج الأحكام الفقهية على غرار القوانين الوضعية، فأتمت اللجنة تقنين القانون المدني كله في كل مذهب من المذاهب الأربعة.
الاهتمام بأمور المسلمين
كان الشيخ عبد الحليم محمود يستشعر أنه إمام المسلمين في كل أنحاء العالم، وأنه مسئول عن قضاياهم، وكان هؤلاء ينظرون إليه نظرة تقدير وإعجاب، فهم يعتبرونه رمز الإسلام وزعيم المسلمين الروحي، ولهذا كان يخفق قلب الإمام لكل مشكلة تحدث في العالم الإسلامي، ويتجاوب مع كل أزمة تلمّ ببلد إسلامي.
فقد أصدر بيانا بشأن الأحداث الدامية والحرب الأهلية في لبنان، دعا الأطراف المتنازعة من المسلمين والمسيحيين إلى التوقف عن إراقة الدماء وتخريب معالم الحياة، وأهاب بزعماء العرب والمسلمين إلى المسارعة في معاونة لبنان على الخروج من أزمته، وفاء بحق الإسلام وحق الأخوة الوطنية والإنسانية، وقياما ببعض تبعات الزعامة والقيادة التي هي أمانة الله في أعناقهم.
ولم يكتف الشيخ بذلك بل أرسل برقية إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية يناشده العمل بحسم وعزم على وقف النزيف الدموي الذي أسالته المؤامرات المعادية على أرض لبنان.
الأزمة المغربية الجزائرية
قامت أزمة عنيفة بين المغرب والجزائر بشأن مشكلة الصحراء الغريبة التي كانت أسبانيا تحتلها، وأدى الخلاف بينهما إلى مناوشات حربية كادت تتحول إلى حرب عنيفة.
ولما علم الإمام بأخبار هذه التحركات سارع إلى إرسال برقية إلى كل من ملك المغرب ورئيس الجزائر، دعاهما إلى التغلب على نوازع الخلاف وعوامل الشقاق والفرقة، وأن يبادرا بتسوية مشكلاتهما وموضوعات الخلاف بينهما بالتفاهم الأخوي والأسلوب الحكيم، وناشدهما باسم الإسلام أن يلقيا السلاح وأن يحتكما إلى كتاب الله.
وأرسل في الوقت نفسه برقية إلى الرئيس السادات يرجوه التدخل للصلح بين القطرين الشقيقين، جاء فيها: "تتعلق بزعامتكم قلوب المسلمين من العرب والمسلمين الذين ينتظرون مساعيكم الحميدة في إصلاح ذات البين بمناسبة الصدام المسلح المؤسف بين البلدين الشقيقين الجزائر والمغرب".
وقد رد السادات على برقية شيخ الأزهر ببرقية يخبره فيه بمساعيه للصلح بين الطرفين جاء فيها: "تلقيت بالتقدير برقيتكم بشأن المساعي لحل الأزمة بين الجزائر والمغرب، وأود أن أؤكد لكم أن مصر تقوم بواجبها القومي من أجل مصالح العرب والمسلمين، وما زال السيد محمد حسني مبارك نائب الرئيس يقوم بمهمته المكلف بها، أرجو الله عز وجل أن يكلل جهوده بالنجاح والتوفيق...".
وفي الوقت نفسه أرسل برقية إلى خالد بن عبد العزيز عاهل المملكة السعودية آنذاك يدعوه للتدخل إلى حقن الماء بين الشقيقين وفض النزاع بينهما، وقد أحدثت هذه البرقيات أصداء قوية، وكانت عاملا في هدوء الحالة بين الدولتين الشقيقتين.
وفاة الشيخ
لقد كانت حياة الشيخ عبد الحليم محمود جهادا متصلا وإحساسا بالمسئولية التي يحملها على عاتقه، فلم يركن إلى اللقب الكبير الذي يحمله، أو إلى جلال المنصب الذي يتقلده، فتحرك في كل مكان يرجو فيه خدمة الإسلام والمسلمين، وأحس الناس فيه بقوة الإيمان وصدق النفس، فكان يقابل مقابلة الملوك والرؤساء، بل أكثر من ذلك؛ حيث كانت الجموع المحتشدة التي هرعت لاستقباله في الهند وباكستان وماليزيا وإيران والمغرب وغيرها تخرج عن حب وطواعية لا عن سوق وحشد وإرهاب.
وفي ظل هذا النشاط الجم والرحلات المتتابعة لتفقد المسلمين شعر بآلام شديدة بعد عودته من الأراضي المقدسة فأجرى عملية جراحية لقي الله بعدها في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق (15 من ذي القعدة 1397هـ= 17من أكتوبر 1978م) تاركا ذكرى طيبة ونموذجا لما يجب أن يكون عليه شيخ الأزهر.


مأخوذ عن الاستاذ / أحمد تمام من موقع إسلام أون لاين
http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/06/article35.shtml


من مصادر الدراسة:
على عبد العظيم: مشيخة الأزهر منذ إنشائها حتى الآن – الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية – القاهرة- 1399=1979.
عبد الحليم محمود: هذه حياتي – دار المعارف – القاهرة- 1976.
محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلام المعاصرين- دار القلم – دمشق1415-1995

Friday, 9 May 2008

في مدح حبيبي رسول الله صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم

قصيدة للقاضي عياض اليحصبي صاحب الشفا، و قد كانت من أجمل ما كتب على الإطلاق في مدح حبيبي رسول الله صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم و يكمن سحرها بوجود التورية بسور القرآن الكريم:
----------------------
في كل فاتحة للقول معتبرة حق الثناء على المبعوث بالبقرة
في آل عمران قدما شاع مبعثه رجالهم و النساء استوضحوا خبره
من مد للناس من نعماء مائدة عمت فليست على الأنعام مقتصرة
أعرف نعماه ما حل الرجاء بها إلا و أنفال ذاك الجود مبتدره
به توسل إذ نادى بتوبته في البحر يونس و الظلماء معتكره
هود و يوسف كم خوف به أمنا و لن يروع صوت الرعد من ذكره
مضمون دعوه إبراهيم كان و في بيت الإله و في الحجر التمس أثره
ذو أمه كدوي النحل ذكرهم في كل قطر فسبحان الذي فطره
بكهف رحماه قد لاذ الورى و به بشرى ابن مريم في الإنجيل مشتهرة
سمّاه طه و حض الأنبياء على حج المكان الذي من أجله عمره
قد افلح الناس بالنور الذي عمروا من نور فرقانه لما جلا غرره
أكابر الشعراء اللسن قد عجزوا كالنمل إذا سمعت آذانهم سوره
و حسبه قصص للعنكبوت أتى إذ حاك نسجا بباب الغار قد ستره
في الروم قد شاع قدما أمره و به لقمان وفق للدر الذي نثره
كم سجدة في طلى الأحزاب قد سجدت سيوفه فأراهم به عبره
سباهم فاطر السبع العلا كرما لمن بياسين بين الرسل قد شهره
في الحرب قد صفت الأملاك تنصره فصاد جمع الأعادي هازما زمره
لغافر الذنب في تفصيله سور قد فصلت لمعان غير منحصره
شوراه أن تهجر الدنيا فزخرفها مثل الدخان فيعشي عين من نظره
عزت شريعته البيضاء حين أتى أحقاف بدر و جند الله قد نصره
فجاء بعد القتال الفتح متصلا و أصبحت حجرات الدين منتصرة
بقاف و الذاريات الله أقسم في أن الذي قاله حق كما ذكره
في الطور أبصر موسى نجم سؤدده و الأفق قد شق إجلالا له قمره
أسرى فنال من الرحمن واقعة في القرب ثبت فيه ربه بصره
أراه أشياء لا يقوى الحديد لها و في مجادله الكفار قد أزره
في الحشر يوم امتحان الخلق يقبل في صف من الرسل كل تابع أثره
كف يسبح لله الحصاة بها فاقبل إذا جاءك الحق الذي قدره
قد أبصرت عنه الدنيا تغابنها نالت طلاقا و لم يصرف لها نظره
تحريمه الحب للدنيا و رغبته عن زهرة الملك حقا عندما نظره
في نون قد حقت الأمداح فيه بما أثنى به الله إذ أبدى لنا سيره
بجاهه سال نوح في سفينته سفن النجاة و موج لبحر قد غمره
و قالت الجن: جاء الحق فاتبعوا مزملا تابعا للحق لن يذره
مدثرا شافعا يوم القيامة هل أتى نبي له هذا العلا زخره؟
في المرسلات من الكتب انجلى نبأ عن بعثه سائر الأخبار قد سطره
ألطافه النازعات اليم في زمن يوم به عبس العاصي لما ذعره
إذ كورت شمس ذات اليوم و انفطرت سماؤه و دعت ويل به الفجرة
و للسماء انشقاق و البروج خلت من طارق الشهب و الأفلاك مستترة
فسبح اسم الذي في الخلق شفعه و هل أتاك حديث الحوض إذ نهره
كالفجر في البلد المحروس غرته و الشمس من نوره الوضاح مستنره
و الليل مثل الضحى إذ لاح فيه ألم نشرح لك القول في أخباره العطرة
و لو دعا التين و الزيتون لا ابتدرا إليه في الحين و اقرأ تستبن خبره
في ليله القدر كم قد حاز من شرف في الفجر لم يكن الإنسان قد قدره
كم زلزلت بالجياد العاديات له أرض بقارعه التخويف منتشرة
له تكاثر آيات قد اشتهرت في كل عصر فويل للذي كفره
ألم تر الشمس تصديقا له حبست على قريش و جاء الروح إذ أمره
أرأيت أن إله العرش كرمه بكوثر مرسل في حوضه نهره
و الكافرون إذا جاء الورى طردوا عن حوضه فلقد تبت يدا الكفرة
إخلاص أمداحه شغلي فكم فلق للصبح أسمعت فيه الناس مفتخرة
أزكى صلاتي على الهادي و عترته و صحبه و خصوصا منهم عشره

Wednesday, 2 April 2008

القيادة الناجحة ضرورة لعمل ناجح: كلمة لقلوب إخواننا جميعا

سؤال: هل من الممكن أن تكون الإدارة سببا في ضعف العمل الدعوي؛ أي أن الإخوة المسئولين يكونون عائقا في طريق العمل إن كان بعض الأفراد غير راضين عنهم؟
وما الحل في رأيكم؟ وماذا تقولون لكلا الفريقين؟

الحل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد..
شكر الله لكم، وجزاكم الله خيرا كثيرا على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه، وعملكم به وله.

أخي الحبيب، إن إدارة أي عمل - دعوي أو غيره - أصل من أصول نجاحه أو فشله.

ولذا حث الرسول صلى الله عليه وسلم على وجود إدارة (قيادة) حتى ولو كان التجمع مجرد ثلاثة أفراد، أو كان العمل مجرد سفر، كما يقول عليه الصلاة والسلام: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" رواه أبو داود، فما بالنا بتجمع كثير أو عمل كبير؟!.

كما حث أن تكون الإدارة (القيادة) واعية وإلا حدث الفشل، كما يقول: "إذا وُسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" رواه البخاري.

وسأهديك بعض ما هدانا إليه الإسلام عن أهم مواصفات المدير الصالح الناجح المحقق للنتائج المسعد لنفسه ولمن حوله، وأهم مواصفات الإدارة والقيادة الناجحة، وأهم السلبيات فيها والتي يجب تجنبها منعا للفشل والتعاسة.. وهي:

* الحب: كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" رواه مسلم، ومعنى تصلون عليهم ويصلون عليكم: تدعون لهم ويدعون لكم.

* الرفق: فقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به" رواه مسلم.

* الحلم والصبر والروية: كما يقول صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بقوم خيرا ولى عليهم حلماءهم.." رواه الديلمي.

* التواجد وعدم الانعزال: كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة" رواه أبو داود والترمذي.

* التناصح بالخير وبذل الجهد: في تحقيق المنافع والإصلاح والإسعاد، ولهم جميعا ثواب كل ذلك، كما يقول صلى الله عليه وسلم: "ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة" رواه مسلم.

* الصدق والأمانة وعدم الغش والخداع: كما يقول صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة" رواه البخاري ومسلم.

* العدل والمساواة وعدم المحاباة أو إضاعة الحقوق لحرج أو غيره: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: "يا أبا ذر، إني أحب لك ما أحب لنفسي، إني أراك ضعيفا؛ فلا تأمرن على اثنين ولا تَولين مال يتيم" رواه مسلم.

* الحوار وحرية إبداء الآراء: من الجميع ما أمكن، والسير برأي الأغلبية، كما يقول تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، وكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا كانت أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم؛ فظهْر الأرض خير لكم من بطنها. وإذا كانت أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم؛ فبطن الأرض خير لكم من ظهرها" رواه الترمذي، ومعنى أمركم إلى نسائكم: أي تغلبون العاطفة على العقل كما تفعل النساء أحيانا.

* احترام الكرامة والمشاعر: كما يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَرمْنَا بَنِي آدَمَ)، ويقول: (يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ من قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا منْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ من نسَاءٍ عَسَى أَن يَكُن خَيْرًا منْهُن وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ).

* التيسير والتسامح والتقارب والتبشير والتفاؤل والأمل: فعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذا إلى اليمن، فقال لهما: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا" رواه مسلم.

* صلاح المجموع: فإن كانوا صالحين سيخرج منهم بكل تأكيد مسئولون صالحون، والعكس صحيح، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كما تكونوا يول عليكم" رواه البيهقي.

* احترام النظام الذي ارتضوه: والتعاون بكل الجهود والإمكانات مع المسئولين على تنفيذه وإنجاحه، كما يقول تعالى: (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ)، قال الإمام الطبري في تفسيرها: ".. وليقبل بعضكم أيها الناس من بعض ما أمركم بعضكم به بعضا من معروف".

وكما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك" رواه مسلم، ما دام المطلوب منك في حدود الاستطاعات والطاقات، وهي تختلف من شخص لآخر حسب البيئة التي نشأ فيها، ومعنى أثرة عليك: أي حتى لو حدث في حقك تقصير من مسئولك، فأداؤك أنت الحق سيدفع غيرك يوما ما إلى العودة لإعطاء كل ذي حق حقه.

ويقول ابن عمر رضي الله عنهما: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: "فيما استطعتم" رواه البخاري ومسلم، وما دام الأمر في إطار الإسلام وحلاله، لا حرامه ومعاصيه، كما يقول صلى الله عليه وسلم: "إنما الطاعة في المعروف" رواه البخاري.

* تكوين الفريق الصالح مع المسئول من النواب والمستشارين الصالحين: كما يقول صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق؛ إن نسى ذكره، وإن ذكر أعانه. وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء؛ إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يُعنه" رواه أبو داود.

* دوام متابعة الأهداف العامة والمرحلية: ما تحقق منها، وما لم يتحقق وأسباب ذلك، مع المتابعة الميدانية للعاملين وروحهم الإنتاجية وعلاقاتهم فيما بينهم وطاقاتهم الصحية والعقلية وما شابه هذا، كما يقول صلى الله عليه وسلم منبها لذلك: "ليس الخبر كالمعاينة" رواه أحمد بسند صحيح].

وذلك مع الميل إلى العفو أولا عند التقصير، ثم اللوم أو حتى العقاب إذا احتاج الأمر عند التكرار؛ لأن العفو يدفع غالبا للإصلاح الذاتي، كما يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: ".. فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" رواه الترمذي.

وكذلك الحرص على إثابة المحسن بالإحسان، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض المعارك يزيد من غنائم الجنود الذين كان لهم دور بارز في النصر، ولم يكن في نفوس الآخرين شيء؛ لعلم الجميع بأثرهم في المعركة؛ حيث إن هذا يشجع الكل على التطور.

* ألا يقدم مسئول نفسه لمسئولية ما؛ خوفا من أن يكون له غرض ما غير الإصلاح؛ فيفشل ويتعس في دنياه وآخرته، كما ينبه لذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: "لن نستعمل على عملنا من أراده" رواه مسلم، إلا إذا كانت نواياه خالصة، ووجد في ذاته صلاحا وخبرة واستعدادا ووقتا وجهدا وفكرا لعمل ما؛ فليستعن بالله وليتقدم، وليعاونه المخلصون من حوله، كما فعل يوسف صلى الله عليه وسلم حينما قال: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِني حَفِيظٌ عَلِيمٌ).

أخي الحبيب، ما سبق هو الحل، وهو ما ننصح به كل مسئول وكل فرد؛ لأنه لا بد أن يكون محملا بمسئولية ما حتى ولو كانت محدودة.. نقول لهم جميعا:

* عليكم بالتمسك بكل ما أوصانا به الإسلام لتنجحوا وتسعدوا في حياتكم وآخرتكم، والبعد عن كل ما نهانا عنه حتى لا تفشلوا وتتعسوا فيهما.

* عليكم بالحب؛ فبه تلتقي القلوب وتندمج وتتلاحم، وتنطلق بكل قوة نحو تحقيق الأهداف والرقي والسعادة.. وإياكم والبغض؛ فبه تفترق وتتمزق وتتشتت وتتخلف وتتعس.

* عليكم بالرفق؛ فبه تسير الأمور بسلاسة. وإياكم والشدة؛ فبها تتعقد.

* عليكم بالحلم والصبر والتفاؤل والاستبشار والأمل؛ فبها يحدث الاطمئنان والاستقرار وحسن اتخاذ القرار وإصابة الصواب.. وإياكم والعصبية والعجلة واليأس؛ فبها يحدث التوتر والقلق وفقدان الهدف.

* عليكم بالتناصح بالخير بكل لين وحسنى وأدب واحترام متبادل؛ فبه تتم سرعة التصويب وبلوغ النتائج وتدارك الأخطاء وضبط الاعوجاج.. وإياكم وكتمان النصيحة؛ فهو بداية الانزلاق والتيه في الخطأ وعدم تداركه إلا بعد فوات الأوان.

* عليكم بالصدق والأمانة والوضوح والتكاشف؛ فبها يتحقق الأمان، وتتضح الأهداف، ويحسن اختيار الوسائل وتوزيع الأدوار والجهود. وإياكم والكذب والغش والخداع والمداراة؛ فهي أمور تضعف الإنجاز وتعوقه وتمنعه، وتجعل حلول المشكلات صعبة معقدة عسيرة غامضة.

* وعليكم بالعدل؛ فهو الذي سيستخرج الطاقات بأكملها دون إخفاء؛ لأن كلا يأخذ حقه، وكلما أعطى أكثر أخذ نتيجة أكثر.. وإياكم والظلم؛ فإنه قد يدفع كل ذي خبرة أن يكتمها، إضافة إلى إيغاره للصدور وزرعه للأحقاد والشرور.

* وعليكم بالحوار والتفاهم، والأخذ برأي الأغلبية، والتخطيط وعدم التردد بعده، وحسن المتابعة، والعمل الجماعي بروح الفريق في إطار الأخوة وسلامة القلوب وصفائها؛ فبهذا يتم الاستماع للآخرين وقبولهم، وتتجمع الآراء، وتقوى ويكمل بعضها بعضا.

وبالأغلبية تترتب الأهداف والإجراءات، ويؤخذ بالأنسب منها ويعمل به، وتتعدد البدائل بحيث يطبق الأول لفترة؛ فإن كان مناسبا فبها ونعمت، وإن لم يكن مناسبا يستخدم الذي بعده، وهكذا.

ولو فرض وحدث عدم توفيق لسبب ما تحمل الجميع العواقب، وبدءوا في التكاتف لعلاجها سريعا؛ إذ الغالب مشارك في الرأي.. وإياكم و"الديكتاتورية"؛ فإنها من أهم أسباب السلبية والإحباط، وكبت الطموح والابتكار، ونشر الأخلاقيات الفاسدة كالخوف، والنفاق والرياء، والظلم، وعدم التخطيط، والتردد، والتخبط والعشوائية، ونحو ذلك من المفاسد، ثم رأي واحد سيكون أضعف - ولا شك - من عدة آراء.

* عليكم بالتعاون؛ فالاتحاد قوة.. وإياكم والفرقة والتنازع والجدل؛ فإنها سبب لكل انهزام، كما يقول تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، وكما يقول صلى الله عليه وسلم: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" رواه الترمذي.

* وعليكم بالتدريب والانتخاب؛ فبالأول تنمو المواهب والطاقات، وبالثاني يشترك الأفراد في اختيار مسئوليهم؛ فيقفون وراءهم بكل ما أمكنهم؛ لأنهم ممثلون لهم ومختارون منهم وبهم.. وإياكم و"الروتينية"، فإنها سبب الجمود والتراجع، وإياكم وتعيين المسئولين - إلا عند الضرورة والاحتياج لنوعية معينة في ظرف معين أو عند تعذر انتخابهم - فإنه قد يكون سببا في عدم التجانس والتوافق.

* ثم عليكم أولا وأخيرا وبكل تأكيد دوام الارتباط بالله تعالى بدعائه والإخلاص له وطلب عونه؛ فإنه سبب لزيادة كل نجاح وتوفيق وثواب وسعادة.. وإياكم إياكم والبعد عنه؛ فإنه سبب لكل فشل وإخفاق وذنب وتعاسة.

وفقكم الله وأعانكم، ولا تنسونا من صالح دعائكم.
--------------------
منقول من موقع اسلام اونلاين- المستشار الدكتور محمد محمود منصور